منتديــــــــــــــــــات العدالــــــــــــــــــــــــــة و القانـــــــــــــــــــــــــــون
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ها هي الورود تنثر شذاها لتستقبل بكل حب ومودة
وبأحلى عبارات الترحيب نرحب بك
ونتمنى أن نرى شذى عطرك ينثر على أرجاء منتدانا
فيا أهلا وسهلا بك وبمقدمك الكريم وأتمنى من كل قلبي أن
تكون قمراً ساطعاً بنور حضورك وضياءك بمشاركاتك
القيمة معنا ونحن في الانتظارك وإن شاء الله تقضي أسعد
الأوقات معنا

منتديــــــــــــــــــات العدالــــــــــــــــــــــــــة و القانـــــــــــــــــــــــــــون

الجـــــــــــــــــــــــــــــــزائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

.: عدد زوار المنتدى :.

free counters
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مراحل و إجراءات إعداد عقد بيع عقار في التشريع الجزائري
الأربعاء أكتوبر 01, 2014 9:34 am من طرف جميل الروح

» اكبر مكتبة للقوانين و البحوث القانونية -تحميل مجاني-
الأربعاء أكتوبر 01, 2014 9:03 am من طرف جميل الروح

» بلال لحساب أوقات الصلاة
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 4:01 pm من طرف السنهوري

» برنامج منبه الذاكرين
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:59 pm من طرف السنهوري

» برنامج القران الكريم باللغة الفرنسية
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:57 pm من طرف السنهوري

» رنامج ادارة حلقات تحفيظ القرآن الاصدار الرابع
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 3:53 pm من طرف السنهوري

» لتحميل بحث بعنوان حماية المحل التجاري.PDF
الإثنين ديسمبر 16, 2013 3:21 pm من طرف malik04

»  [ تجميـــــــع سلسلــــــــة برنامج '' القلب السليم '' ]-[ Mp3]-[ للشيخ عمر عبد الكافي ]
الأربعاء ديسمبر 11, 2013 10:04 am من طرف Admin

» التعليق على حكم قضائي
الجمعة نوفمبر 22, 2013 5:25 pm من طرف السنهوري

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
أغسطس 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031   
اليوميةاليومية
منتدى
المواضيع الأكثر شعبية
مجموعة كتب قانونية كبيرة جدا لكل المحامين و القانونيين
موسوعة تضم اكثر من 100 رسالة ماجستير في العلوم القانونية
كتاب Express English لتعليم قواعد اللغة الانجليزية.pdf 8,658 KB Express English تحميل كتاب لتعليم قواعد اللغة الانجليزية.pdf d
تحميل مجانى جميع كتب الطبخ
تحميل كتاب تعلم اللغة التركية المبسطة.pdf
دروس الكفائة المهنية للمحاماةcapa
القانون المدني الجزائري.pdf
للتحميل القانون المدني المصري.pdf
نظام التقاعد في الجزائر
مجموعة مراجع قانونية لكل بحث عادي او بحث تخرج او التحضير لمسابقة القضاء او الماجستير بالتوفيق
google1+

شاطر | 
 

 أفلا يتدبرون القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المستشار

avatar

عدد المساهمات : 431
نقاط : 1203
النخبة : 0
تاريخ التسجيل : 03/04/2011

مُساهمةموضوع: أفلا يتدبرون القرآن    الجمعة فبراير 03, 2012 9:49 am

أفلا يتدبرون القرآن

كتبه
أبوعبدالرحمن
محمود بن محمد الملاح

المصدرhttp://saaid.net/book/14/6261.doc
تابع






بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
(102) سورة آل عمران
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1) سورة النساء .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (70- 71) سورة الأحزاب
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ( ).
إن الله - جل وعلا - أنزل إلينا كتاباً فيه خبر ما قبلنا، وحكم ما بيننا، ونبأ ما بعدنا، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم ( ).
أنزل الله هذا القرآن ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، قال تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (15-16) سورة المائدة
لقد تمسك السلف الصالح بالقرآن الكريم ، وحولوا تلك الآيات إلى منهج حياة متكامل، بأوامره يأتمرون ، وبنواهيه ينتهون ، بل حولوها إلى رجال تتحرك في واقع البشر؛ فكان القرآن مصدر عزهم وشرفهم وسيادتهم ، ومن ثَمَّ جعلهم القرآن قادة وسادة للأمم بعد أن كانوا رعاة للإبل والغنم ، ولكن شتان ما بين الخلف الطالح والسلف الصالح ، فإننا نشهد هجراً للقرآن على جميع المستويات بشتى الأشكال: هجراً للتلاوة، والاستماع ، والتدبر، والعمل، والتحاكم ، والتداوي والاستشفاء بالقرآن، حتى صدق على الكثير منا قوله تعالى : {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (30) سورة الفرقان
فالذي يرفع الشكوى هو الرسول الأمين  والذي يشكى إليه هو الله رب العالمين ، ويشكو قومه الذين هجروا القرآن، وأعرضوا عن ذكر الواحد الديان، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

لقد هجر القرآن تلاوة .. وأعرض الكثير عن مذاكرته وحفظه، ومجالس تدارسه بالرغم من حرصهم الشديد على مطالعة الصحف والمجلات ليتابعوا بلهف وشوق أخبار من لا خلاق لهم من الساقطين والساقطات !! .
لقد هجر القرآن استماعاً .. بل ارتبط استماع القرآن في أذهان كثير من المسلمين بالأحزان والسرادقات التي تقام للمآتم !! بل أقبل الناس على سماع اللهو والغناء والمزمار وهجروا قرآن العزيز الغفار !!
لقد هجر القرآن تدبراً .. القرآن الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله ، إذا به يقرأ ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وعيون متحجرة ، فلا قلب يخشع، ولا بدن يخضع ، ولا عين تدمع !!
وأحاول في هذا الكتاب دراسة موضوع تدبر القرآن وإلقاء الضوء عليه من خلال النقاط التالية :
الفصل الأول : تدبر القرآن
( معناه - حكمه - فوائده ) .
الفصل الثاني : تدبر القرآن الكريم لماذا وكيف ؟
الفصل الثالث : التدبر في القرآن والسنة وسير السلف الصالح .
وأسأل الله أن ينفع به وأن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب همنا وغمنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

كتبه أبو عبد الرحمن
محمود بن محمد الملاح
malmalah@hotmail.com



















الفصل الأول
تدبــر القــرآن الكريم

فيه ثلاثة مباحث:
أولاً : معنى التدبر.
ثانياً : حكم تدبر القرآن .
ثالثاً : فوائد تدبر القرآن وثمراته .
























أولاً : معنى التدبر
التدبر لغةً:
كلمة التدبر في اللغة : مصدر فعله الماضي ( تَدَبَّر ) وهو فعل مزيد اشتق من الفعل الماضي ( دَبَر ) ، ومضارعه ( يَدْبُر ) ، والمصدر ( دَبْراً ، ودُبُوراً )( ).
( الدُّبر ) و ( الدَّبُر ) مخففاً ومثقلاً .
و( التدبير ) في الأمر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته.( )
و( تدبر الأمر ): رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } (68) سورة المؤمنون، أي: ألم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن( ).
تدبر القرآن اصطلاحاً:
قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -:
(وهو - أي تدبر القرآن - : التأمل في معانيه ، وتحديق الفكر فيه ، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك) ( ).

ثانيا ً : حكم التدبر
إن تدبر القرآن الكريم من أجل الطاعات ، وأفضل القربات ، وأسمى العبادات؛ لأنه من خلاله يفهم الإنسان مراد الله - سبحانه وتعالى - ؛ ولهذا قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (29) سورة ص .
قال العلامة السعدي - رحمه الله - :
( أي هذه الحكمة من إنزاله ؛ ليتدبر الناس آياته فيستخرجوا علمها ، ويتأملوا أسرارها وحكمها ... وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة القراءة التي لا تحصل هذا المقصود)( ).
قال الإمام القرطبي - رحمه الله -:
( وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن ، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ( ) ، إذ لا يصح التدبر مع الهذ ، قال الحسن : تدبر آيات الله اتباعها)( ) .
قال الإمام الزركشي - رحمه الله -: ( كراهة قراءة القرآن بلا تدبر).
تكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه حُمِل حديث عبدالله بن عمرو: "لا يفقه مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث " ( ) .

وقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة : أهذاً كهذ الشعر( ). وكذلك قوله  في صفة الخوارج: " يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا حناجرهم" ( ) ذمهم بإحكام لفظه ، وترك التفهم لمعانيه )( ).

قارئ القرآن الجاهل بمعانيه مأجور
أداوم على قراءة القرآن لكنني لا أفهم معانيه .. فهل أثاب من الله على ذلك؟
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - :
( القرآن الكريم مبارك كما قال الله – تعالى - : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (29) سورة ص. فالإنسان مأجور على قراءته سواءً أفهم معناه أم لم يفهم … لكن لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ قرآناً مكلفاً بالعمل به دون أن يفهم معناه ، فالإنسان لو أراد أن يتعلم الطب مثلاً ودرس كتب الطب فإنه لا يمكن أن يستفيد منها حتى يفهم معناها وتُشرح له، بل هو يحرص كل الحرص على أن يفهم معناها من أجل أن يطبقها ، فما بالك بكتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي هو شفاء لما في الصدور وموعظة للناس أن يقرأه الإنسان بدون تدبر وبدون فهم لمعناه … ولهذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فالإنسان مثاب ومأجور على قراءة القرآن سواء أفهم معناه أم لم يفهم، ولكن ينبغي له أن يحرص كل الحرص على فهم معناه ، وأن يتلقى هذا المعنى من العلماء الموثوقين، مثل : تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير ، وغيرهما... )( ) .

ثالثاً : فوائد تدبر القرآن وثمراته
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في فوائد تدبر القرآن الكريم:
( فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل ، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل ، وتحثه على التخفف من عناء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه الأمور الصعاب، والعقبات الشاقة غاية التسهيل ، وتنادي عليه كلما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدم الركب وفاتك الدليل. فاللحاق اللحاق ، والرحيل الرحيل ، وتحدو به، وتسير أمامه سير الدليل. وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله، واستعن به، وقل حسبي الله ونعم الوكيل . وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد).( )
قال العلامة السعدي - رحمه الله - : ( فإن في تدبر القرآن :
1- مفتاحاً للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير، وتستخرج منه جميع العلوم.
2 - وبه يزداد الإيمان في القلب ، وترسخ شجرته .
3 - فإنه يُعَرِّفُ بالرب المعبود ، وما له من صفات الكمال ، وما يتنزه عنه من سمات النقص .
4 - وبه يُعْرَفُ الطريق الموصلة إليه ، وصفة أهلها ، وما لهم عند القدوم عليه.
5 - وبه يُعْرَفُ العدو الذي هو العدو على الحقيقة ، والطريق الموصلة إلى العذاب ، وصفة أهلها ، وما لهم عند وجود أسباب العقاب .
6 - وكلما ازداد العبد تأملاً في القرآن ازداد علماً ، وعملاً،
وبصيرة .
ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه يصل به العبد إلى درجة اليقين، والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، فترى الحكم والقصة والأخبار تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضاً؛ وبذلك يُعْلًمُ كمال القرآن، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فذلك قولـه تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء. أي: فلما كان من عند الله؛ لم يكن فيه اختلاف أصلاً) ( ).
قال سيد قطب – رحمه الله -: (تدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب ، ويخلص الضمير، وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير)( ) .



( ومن فوائد تدبر القرآن :
• معرفة الرب - عز وجل - ومعرفة عظيم سلطانه وقدرته والتلذذ بالنظر إليه يوم القيامة.
• تحقيق العبودية لله - تعالى -.
• فيه تربية للعقول .
• فيه شفاء لما في الصدور .
• الأجر الكثير والربح الوفير .
• الهداية والتوفيق والنور ، والراحة والطمأنينة .
• ذكر الله للمتدبر ، وغشيان الملائكة ، ونزول السكينة والرحمة .
• حصن من الشيطان ) ( ).

فهذه بعض فوائد تدبر القرآن الكريم ، وثمراته الزكية ، فأين أنت منها؟ (فسبحان الله ! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي ، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر ؟! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر ؟! قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فِكْراً ، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبَراً ، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ؛ فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجوراً).( )
















الفصل الثاني
تدبر القرآن( لماذا وكيف)

وفيه مبحثان:
أولاً : لماذا لا نتدبر القرآن الكريم؟
ثانياً : كيف نتدبر القرآن الكريم ؟



































أولاً : لماذا لا نتدبر القرآن الكريم؟
قل مَنْ يقرأ القرآن ، وقل مِنْ هؤلاء القارئين مَنْ يتدبر القرآن ، ويقف مع وعده ووعيده؛ حتى تتحقق له الدعوة إلى الطاعة، والزجر عن المعصية ، فإذ بالقرآن - الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله – إذا به يٌقرأ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وأعين متحجرة، فلا قلب يخشع ، ولا بدن يخضع، ولا عين تدمع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
( مَنْ لم يقرأ القرآن فقد هجره ، ومَنْ قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره ، ومَنْ تدبر القرآن ولم يعمل به فقد هجره ) ( ) .
وترجع ( ظاهرة ) هجر تدبر القرآن إلى أسباب كثيرة منها :
1ـ الذنوب والمعاصي 2 ـ ترك الدعاء 3ـ الجهل باللغة العربية
4ـ التخلي عن موانع الفهم 5ـ هجر كتب التفسير
وإليك بيان هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
أولاً : الذنوب والمعاصي
من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه ، فلا يزال مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان ، قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (14) سورة المطففين. قال العلماء : هو الذنب بعد الذنب حتى يطبع على قلب صاحبها فيكون من الغافلين ، ويحرم من العلم ؛ ولذلك قال الله تعالى : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد. فينبغي لمن أراد أن يتدبر القرآن أن يبتعد عن الذنوب والمعاصي ( وبخاصة التي تتعلق بأدوات ووسائل التدبر: القلب والسمع واللسان والبصر. فاستخدام هذه الأدوات في الحرام يعرضها لعدم الانتفاع بها في الحق قال تعالى : { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } (25) سورة الأنعام. وقال تعالى : {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } (5) سورة فصلت.
فذكر الله غطاء القلب وهو الأكنة ، وغطاء الأذن وهو الوقر ، وغطاء العين وهو الحجاب، فالحجاب يمنع من رؤية الحق ، والأكنة تمنعه من فهمه ، والوقر يمنعه من
سماعه )( ) .
لما جلس الإمام الشافعي - رحمه الله - بين يدي الإمام مالك - رحمه الله - ، وقرأ عليه ، أعجبه ما رأى من وفور فطنته ، وتوقد ذكائه ، وكمال فهمه ؛ فقال له: (إن الله - تعالى - قد ألقى على قلبك نوراً ، فلا تطفئه بظلمة المعصية ) .
ومما ورد عن الشافعي – رحمه الله – قوله :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يؤتاه عاص

ومما سبق يتضح أن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي تحول بين العبد وتدبر القرآن الكريم ( ).

ثانياً : ترك الدعاء
إن الدعاء سلاح المؤمن في جميع أموره ، ولذلك فإن سير الأنبياء والصالحين مليئة بالأدعية الصالحة المستجابة ، وكان السلف الصالح إذا استعصى عليهم فهم آية من كتاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المستشار

avatar

عدد المساهمات : 431
نقاط : 1203
النخبة : 0
تاريخ التسجيل : 03/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: أفلا يتدبرون القرآن    الجمعة فبراير 03, 2012 9:50 am

الله وتدبرها ، لجأوا إلى الله بالتضرع والدعاء مع تخير الأوقات المناسبة للإجابة، وسنذكر بعضاً من سيرهم في ذلك :
يذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في سياق هجرة عمر بن الخطاب مع عياش بن ربيعة وهشام بن العاص - رضي الله عنهم - (ولقد حبس الكفار هشاماً عن الهجرة، واستطاع أبوجهل أن يرد عياشاً إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة ... وقد كان شائعاً بين المسلمين أن الله لا يقبل ممن افتتن توبة ، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله  المدينة ، وأنزل الله {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (53ـ55) سورة الزمر. قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص .قال هشام : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها وأصوب، ولا أفهمها؛ حتى قلت: اللهم فهمنيها؛ فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ، ويقال فينا ، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله  بالمدينة ) ( ).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول في دعائه دائماً: ( اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ، ويا مفهم سليمان فهمني ) فيجد الفتح في ذلك( ). فالزم - أخي الحبيب - الدعاء دائماً ، وسل الله من فضله أن يرزقك فهم كتابه ، وتدبر معانيه، وقل : ( اللهم إني عبدك ابن عبدك ، ابن أمتك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عدلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي )( ).

ثالثاً : الجهل باللغة العربية
إن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم بلغة العرب قال تعالى :
{وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (103) سورة النحل، وقال تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (192ـ195) سورة الشعراء.
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - :
( وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها ، وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس ؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات )( ) .
وبَيَّنَ اللهُ - تعالى - الحكمة من إنزاله بلغة العرب فقال : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) سورة يوسف. {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (28) سورة الزمر. {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (3) سورة فصلت.
وإذا كان العبد لا يعرف لغة العرب ولا أساليب كلامهم ؛ فأنى له أن يفهم مقصود ربه - سبحانه وتعالى - أو يتدبر آيات القرآن الكريم ) ( ).
ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله -:
( أن أعرابياً قدم المدينة فقال : مَنْ يقرئني مما أُنْزِلَ على محمد  ؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى على الآية الكريمة :{وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } (3) سورة التوبة. فقرأها عليه بالجر {وَرَسُولِهِ} - أي بالكسرة تحت اللام - ، فقال الأعرابي : وأنا أيضاً أبرأ من رسوله ، فاستعظم الناس الأمر. وبلغ ذلك عمر فدعاه، فقال: يا أعرابي! أتبرأ من رسول الله  ؟! فقال: يا أمير المؤمنين ! قدمت المدينة فأقرأني رجل سورة براءة ، فقلت : إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه . فقال عمر : ما هكذا الآية يا أعرابي ! . قال : فكيف يا أمير المؤمنين ؟ فقرأها عمر عليه بالضم {وَرَسُولُهُ }. فقال الأعرابي : وأنا أبرأ مما برئ اللهُ ورسولُه منه. فأمر عمر ألا يُقْرِئُ الناس إلا عالمٌ بلغة العرب )( ) .
كيف يفهم المسلم كتاب ربه ، ويتدبره وهو لا يعرف قواعد اللغة العربية ، ولا يميز بين الاسم والفعل والحرف، ولا الفاعل من المفعول ، وغيرها مما يتوقف عليه فهم الخطاب، فمثلاً كيف يفهم قوله تعالى : {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (124) سورة البقرة. أو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (28) سورة فاطر

رابعاً : عدم التخلي عن موانع الفهم
( وموانع الفهم كثيرة منها :
1- أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها ، وعدم التفكر في معاني كلام الله – عز وجل - ، بحيث يحرص كل الحرص على ترديد الحرف وتكراره وذلك لأن الشيطان يخيل إليه أنه لم يخرج الحرف من مخرجه ، ولم يعطه حقه في النطق.
2- أن يكون المسلم مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه ، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة ، فهذا إن سمع تفسيراً للآية غير ما سمع ، إذا به يرده من غير تردد: مثل مَنْ عرف أن تفسير قولـه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) سورة طـه. أن معنى: {اسْتَوَى} استولى . واستقر ذلك في نفسه حتى صار عقيدة راسخة له ، فإذا به لو عرف بعد ذلك أن معنى: {اسْتَوَى} ليس استولى وأنه خلاف الحق والصواب الذي عليه جمهور السلف الصالح ، وأن معناها الحقيقي: استقر وعلا وارتفع، فإذ به يرد هذا المعنى الحق ، ولا يقبله ، وأحياناً يعادي ويبغض من يدعو إليه .
3- أن يكون المسلم مُصِّراً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى - في الجملة - بهوى في الدنيا، فإن ذلك يسبب ظلمة القلب وصدئه، وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير، فقال تعالى : {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} (Cool سورة ق. وقال عز وجل: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ} (13) سورة غافر. وقال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (19) سورة الرعد. فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب)( ).
خامساً : هجر كتب التفسير
قال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله - : (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله - تفسيره - كيف يلتذ بقراءته) ( ).
كيف يتدبر القرآن من هجر كتب تفسير القرآن ولم يطالعها ويدارسها ، ولم يعرف أسباب النزول … وغيرها من علوم القرآن، وغالباً لا يسلم صاحب هذا المنهج من الخطأ في فهم الآيات ، والاستدلال بها ، والخطأ في العمل والتطبيق .
عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: (كنا بمدينة الروم ، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فُضَالة بن عُبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم ، حتى دخل عليهم فصاح الناس، وقالوا : سبحان الله ! يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقام أبوأيوب الأنصاري فقال: (يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل؛ وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله – تبارك وتعالى – على نبيه  يرد علينا ما قلنا: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (195) سورة البقرة. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتَرْكنا الغزو، فما زال أبوأيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دُفِنَ بأرض الروم )( ) .
فتأمل - أخي الحبيب - كيف تأول بعض التابعين الآية على غير مراد الله، وهم من أفضل القرون، وأقرب إلى عصر التنزيل، فكيف بنا في هذا الزمان وقد صارت الألسن أقرب إلى لسان العجم منها إلى لسان العرب ؛ فما أحوجنا - نحن المسلمين - إلى دراسة كتب التفسير ليحصل لنا فهم كلام الله - عز وجل - وبخاصة ما يسمى (التفسير بالمأثور) ومن أشهر هذه الكتب: تفسير الإمام الطبري، وتفسير الإمام البغوي، وتفسير الإمام ابن كثير ، وتفسير الدر المنثور للسيوطي، وتفسير الإمام الشوكاني ...
وإليك نماذج من كتاب الله - جل وعلا - يوهم ظاهرها التعارض، وبالرجوع إلى كتب التفسير يزول هذا الإشكال، ويُدْفَعُ هذا الإيهام والتعارض وصدق الله إذ يقول: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء ( ).
النموذج الأول : الهداية هدايتان :
قال الله - تعالى - عن وصف رسوله  :{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (52) سورة الشورى. وقال في موضع آخر : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (56) سورة القصص . في الآية الأولى أثبت الله لرسوله  الهداية ، وفي الآية الثانية نفى عنه ذلك ، فكيف نوفق بينهما ؟

بالرجوع إلى كتب التفسير يتبين لنا أن الهداية هدايتان :
أ- هداية الدلالة والإرشاد : وهذه هي المثبتة في حق النبي  فهو يهدي : أي يدل ويرشد ويبين الصراط المستقيم ، والطرق الموصلة إليه ، وكذلك القرآن الكريم ، فقد قال - تعالى - :{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراء.
ب- هداية التوفيق والسداد : وهذه هي المنفية عن النبي  وعن غيره فهي خاصة بالله – عز وجل – فهو وحده الذي يوفق ويسدد من يستحق إلى الهداية والصلاح .

النموذج الثاني : أين الله ؟
قال تعالى : {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } (16) سورة الملك.{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } (84) سورة الزخرف. ويقول {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} (3) سورة الأنعام. في الآية الأولى ذكر الله عن نفسه أنه في السماء ، وفي الآيتين الثانية والثالثة ربما يفهم البعض منهما أن الله في السماء والأرض ، ومن ثم في كل مكان !
وبالرجوع إلى كتب التفسير يتضح أن الآية الأولى: تثبت عقيدة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة والصالحين أن الله - تعالى - في السماء كما أخبر مستوٍ على عرشه قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) سورة طـه ( ) .

وأما الآية الثانية: فلا علاقة لها بموضوع المكان ، وإنما تتحدث عن العبودية لله - سبحانه وتعالى - ، فإن لفظ {إِلَهٌ} تعني : المعبود بحق ، فمعنى الآية إذن : أن الله معبود من في السماء كما أنه معبود مَنْ في الأرض . وأما الآية الثالثة : تتناول قضية العلم فمعناها : أن الله يعلم ما في السموات والأرض .

ثانياً : كيف نتدبر القرآن الكريم ؟
يتم ذلك من خلال طريقين : العلمي ، والعملي .
أولاً : الطريق العلمي: وذلك من خلال أن يعرف المسلم قيمة تدبر القرآن الكريم، وعِظَم مكانته ، وكثرة فوائده، وأن تدبر القرآن سبيل إلى العلم النافع، والعمل الصالح، وطريق إلى حياة القلوب.
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - :
فتدبر القرآن إن رمت الهدى
فالعلم تحت تدبر القرآن( )


قال إبراهيم الخواص :
( دواء القلب خمسة أشياء : قراءة القرآن بالتدبر ، خلاء البطن ، قيام الليل، التضرع عند السحر ، مجالسة الصالحين )( ) .
إن المحروم مَنْ حُرِمَ تدبر القرآن ، وأُغْلِقَ عليه فهم آياته ، ومعرفة معانيه ، قال تعالى : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد . قال علي بن أبي طالب : ( لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا خير في علم لا فقه فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبر معها ).
تفكر عمرو بن مرة في مَثَل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه، فجعل يبكي، فسئل ما يبكيك؟ فقال: (إن الله - عز وجل - يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } (43) سورة العنكبوت. وأنا لم أعقل المثل فلست بعالم فأبكي على ضياع العلم مني )( ).
ثانياً : الطريق العملي : وذلك باتباع الخطوات الآتية :
1- الالتزام بآداب التلاوة وبخاصة الإخلاص والطهارة والسواك والاستعاذة واختيار المكان المناسب ... وقد سبق ذكرها بشيء من التفصيل في هجر التلاوة .
2- تفريغ القلب من الشواغل ، والتخلي عن موانع الفهم وبخاصة الذنوب والمعاصي ، والغفلة والكبر .. ، والعمل على صلاح القلوب وطهارتها عن طريق الذكر والتسبيح والاستغفار ، والإنابة والتوبة ، والتخلص من فضول الطعام والمنام والنظر والمخالطة .
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - :
( فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته ، وألقِ سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله  ، وذلك أن تمام التأثير ، لما كان موقوفاً على مُؤَثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومَحْلٍ قَابل، وشرط لحصول الأثر ، وانتفاء المانع الذي يمنع منه : تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه ، وأدله على المراد .
فقولـه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) سورة ق. وهذا هو المؤثر. وقولـه: {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } فهذا هو المحل القابل، والمراد به : القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال - تعالى - : {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (69ـ70) سورة يــس. أي: حَيّ القلب .
وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} أي : وَجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يُقَال، وهذا هو شرط التأثير بالكلام . وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي: شاهد القلب حاضر غير غائب .
قال ابن قتيبة : استمع لكتاب الله وأنت شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو: سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له ، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر : وهو القرآن .
والمحل القابل : وهو القلب الحي .
ووجد الشرط : وهو الإصغاء .
وانتفى المانع : وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب ، وانصرافه إلى شيء آخر , حصل الأثر : وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر )( ) .
3- ترتيل القرآن ، قال تعالى :{أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (4) سورة المزمل. إن ترتيل القرآن يساعد على تدبر الآيات ، وفهم معانيها.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله) .
وعن مجاهد أنه سُئٍلَ عن رجلَين : قرأ أحدهما البقرة وآل عمران ، والآخر قرأ البقرة وحدها ، وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء ، قال : الذي قرأ البقرة وحدها أفضل )( ).
وأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ ويفهم معانيه.
عن حفصة - رضي الله عنها - : (كان الرسول  يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول منها) ( ).

4- ترديد الآية حتى يتحصل على التدبر
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قام النبي  بآية من القرآن ليلة ( ).
وعن أبي ذر قال : قام النبي  بآية يرددها حتى أصبح ، الآية{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (118) سورة المائدة ( ) .
وقام قتادة بن النعمان  الليل لا يقرأ إلا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}يرددها لا يزيد عليها .( )
وعن تميم الداري  أنه كرر هذه الآية حتى أصبح {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (21) سورة الجاثية. ( )
5- التفاعل مع الآيات ، وإظهار الحزن والتأثر ، أثناء القراءة .
قال رسول الله  : "إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله " ( ) .

ولقد ورد في سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف ( ) " اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا " فإن لم يتأثر الإنسان بالقراءة، وتبكي عينه ، وتقشعر جوارحه ، فعليه أن يتظاهر بالحزن والبكاء على الحرمان من ذلك ، فإنه من أعظم المصائب .
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – قال: (صليت مع النبي  ذات ليلة، فافتتح ( البقرة ) فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت : يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ، ثم افتتح ( النساء ) فقرأها، ثم افتتح ( آل عمران) فقرأها، يقرأ مسترسلاً، وإذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مَرَّ بآية سؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوذ)( ).
قال الإمام النووي - رحمه الله - :
( يستحب هذا السؤال والاستعانة ، والتسبيح لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارج منها... ) ( ) .













الفصل الثالث
المقامات العليا في التدبر
وفيه ثلاثة مباحث:
أولاً : التدبر في القرآن الكريم .
ثانياً : تدبر الرسول  .
ثالثاً : تدبر القرآن في سير السلف الصالح .




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المستشار

avatar

عدد المساهمات : 431
نقاط : 1203
النخبة : 0
تاريخ التسجيل : 03/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: أفلا يتدبرون القرآن    الجمعة فبراير 03, 2012 9:50 am

أولاً : التدبر في القرآن الكريم

لقد أمر الله – سبحانه وتعالى – بتدبر القرآن الكريم في آيات كثيرة نستعرضها بشيء من التفسير والتوضيح .
الحث على التدبر
قال تعالى : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء .
قال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله - :
( أفلا يتدبرون يا محمد كتاب الله ، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك ، واتباع أمرك ، وأن الذي أتيتهم من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه ، وائتلاف أحكامه ، وتأييد بعضه بعضاً للتصديق ، وشهادة بعضه لبعضه بالتحقيق ، فإن ذلك لو كان من عند غير الله ، لاختلفت أحكامه ، وتناقضت معانيه ، وأبان بعضه عن فساد بعض ) ( ) .
قال الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - :
( قوله تعالى : {لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه التناقض ، قاله ابن عباس ، وابن زيد ، والجمهور .
الثاني : الكذب ، قاله مقاتل ، والزجاج .
الثالث : أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام ، ومرذول ، إذ لابد للكلام إذا طال من مرذول ، وليس في القرآن إلا بليغ ، ذكره الماوردي في جماعة)( ).
قال تعالى : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد .
قال الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - : {أَمْ } بمعنى : بل ، وذكر الأقفال استعارة ، والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى ، قال مجاهد : الران أيسر إلى الطبع ، والطبع أيسر من الإقفال ، والإقفال أشد ذلك كله ) ( ) .
عن هشام بن عروة عن أبيه  قال : ( تلا رسول الله  يوماً {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد . فقال شاب من أهل اليمن : بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها . فما زال الشاب في نفس عمر  حتى ولي فاستعان به )( ) .
وتنكير القلوب: يتضمن إرادة قلوب هؤلاء وقلوب مَنْ هم بهذه الصفة ، ولو قال: أم على القلوب أقفالها ، لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة.
تهويل حال القلوب وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة ، كأنه قيل : على قلوب منكرة لا يعرف حالها ، ولا يقدر قدرها في القساوة .
أو: لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون ، فلم يحتج إلى تعريف القلوب ، لأنه معلوم أنها قلوب من ذكر )( ) .
بركة القرآن الكريم
قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (29) سورة ص .
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - :
( ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة ، والمآخذ العقلية الصريحة ؛ قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (29) سورة ص. أي: ذو العقول وهي الألباب جمع ( لُب ) وهو العقل ، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرَى له القرآن في خُلُقٍ ولا عَمَلٍ. رواه ابن أبي حاتم )( )
عظمة القرآن الكريم
قال تعالى : {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (21) سورة الحشر
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله - :
( يقول تعالى معظماً لأمر القرآن ، ومبيناً علو قدره ، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب ، وتتصدع عند سماعه ؛ لما فيه من الوعد الحق ، والوعيد الأكيد : {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }. أي : فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه ؛ لخشع وتصدع من خشية الله - عز وجل - ، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم ؟! وتخشع وتتصدع من خشية الله ؟! وقد فهمتم عن الله أمره ، وتدبرتم كتابه ؛ ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }، وقد قال تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } (74) سورة البقرة) ( ) .
تدبر القرآن من صفات المؤمنين :
قال تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (23) سورة الزمر.
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - :
( وقوله تعالى : {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي : هذه صفة الأبرار ، عند سماع كلام الجبار ، المهيمن العزيز الغفار ، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد ، والتخويف والتهديد ، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله} لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه ، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه :
أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.
الثاني: أنهم إذا تُلِيَتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم ، كما قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (2ـ4) سورة الأنفال ، وقال تعالى{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73) سورة الفرقان. أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين، لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها؛ فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها ، كما كان الصحابة - رضي الله عنهم - عند سماعهم كلام الله - تعالى - من تلاوة رسول الله  ، تقشعر جلودهم ، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم يكونوا يتصارخون ، ولا يتكلفون بما ليس فيهم ، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية مالا يلحقهم أحد في ذلك ؛ ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة 0 قال عبد الرزاق : حدثنا معمر قال : تلا قتادة - رحمه الله - :{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} قال : هذا نعت أولياء الله ، نعتهم الله - عز وجل - بأن تقشعر جلودهم ، وتبكي أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع ، وهذا من الشيطان .
قال السدي : ({ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ } أي: إلى وعد الله ، وقوله : {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء } أي : هذه صفة من هداه الله ، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله : {وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ})( ) .
عتاب من الله للمؤمنين
قال تعالى : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (16ـ17) سورة الحديد.

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- :
( يقول تعالى أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي : تلين عند الذكر والموعظة ، وسماع القرآن ، فتفهمه وتنقاد له ، وتسمع له ، وتطيعه .
قال عبدالله بن مسعود  ( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين )( ) .
وقولـه تعالى : {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ } نهى الله - تعالى - المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى ، لما تطاول الأمل ؛ بدلوا كتاب الله ، واشتروا به ثمناً قليلاً ، ونبذوه وراء ظهورهم ، وأقبلوا على الآراء المختلفة ، والأقوال المؤتفكة ، وقلدوا الرجال في دين الله ، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ؛ فعند ذلك قست قلوبهم ، فلا يقبلون موعظة ، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ، {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي : في الأعمال ، فقلوبهم فاسدة ، وأعمالهم باطلة .
وقولـه تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فيه إشارة إلى أن الله - تعالى -يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها ، ويفرج الكروب بعد شدتها ، فكما يحيي الأرض الميتة، المجدبة، الهامدة، بالغيث الهتان، الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويلج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل ، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال ، والمضل لمن أراد بعد الكمال ، الذي هو لما يشاء فعال ، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال ، اللطيف الخبير الكبير المتعال ) ( ) .
ثانياً : تدبر الرسول  للقرآن الكريم
لقد بلغ الرسول  الدرجة العليا ، والمقام الأسمى ، في تدبر القرآن الكريم ، وهذه بعض حالاته مع القرآن من صحيح السنة النبوية :
عن عبدالله بن مسعود  قال : قال لي رسول الله  : " اقرأ عليَّ القرآن " فقلت : يا رسول الله ! أقرأ عليك وعليك أُنْزِل ؟ قال : " إني أحب أن أسمعه من غيري" . فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا}، قال: " حسبك الآن " . فالتفت إليه ، فإذا عيناه تذرفان )( ) .
عن عطاء قال : ( دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة - رضي الله عنها - فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله  . فبكت ، وقالت : قام ليلة من الليالي ، فقال : " يا عائشة ! ذريني أتعبد لربي " ، قالت : قلت : والله إني لأحب قربك ، وأحب ما يسرك ، قالت : فقام ، فتطهر ، ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْره ، ثم بكى ، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض ، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله ! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : " أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها :{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران ( ) .

عن عقبة بن عامر  قال: قال رسول الله : " شيبتني هود وأخواتها " ( ).
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال أبوبكر  : يارسول الله !، قد شبت، قال : " شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت " ( ) .
قال العلماء : ( لعل ذلك لما فيهن من التخويف الفظيع ، والوعيد الشديد ؛ لاشتمالهن مع قصرهن على حكاية أهوال الآخرة ، وفظائعها ، وأحوال الهالكين والمعذبين ، مع ما في بعضهن من الأمر بالاستقامة )( ) .

ثالثاً : تدبر القرآن في سير السلف الصالح
ينبغي لمن أراد تدبر القرآن الكريم ، وفهم معانيه ، ومعرفة وأحكامه ، أن ينظر في سير السلف الصالح ، وأن يعرف أحوالهم مع القرآن الكريم ؛ حتى يكون دافعاً قوياً له أن يتشبه بهم، فإن التشبه بالصالحين فلاح .
وكما قال ابن الجوزي - رحمه الله - :
( إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر ، ولا تستصعب طريقهم فالمعين قادر ، تعرض لمن أعطاهم ، وسل ، فمولاك مولاهم ، رُبَّ كنز وقع به فقير ، ورُبَّ فضل اختص به صغير ، علم الخضر ما خفي على موسى ، وكُشِفَ لسليمان ما خفي على داود )( ) .
وسنذكر بعضاً من قصص سلفنا الصالح مع القرآن الكريم :
1- أبوبكر الصديق – رضي الله عنه - :
عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي  قالت: ( … وكان أبوبكر رجلاً بكاءً لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن )( ).
2- عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :
عن عبدالله بن شداد بن الهاد يقول : سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف ، فسمعت نشيجه( ) ، وإني لفي آخر الصفوف ، وهو يقرأ {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (86) سورة يوسف( ) .
3- عبدالله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما - :
عن نافع قال: (كان ابن عمر  إذا قرأ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (16) سورة الحديد. بكى حتى يغلبه البكاء.
عن نافع مولى ابن عمر يقول : ( ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (284) سورة البقرة ثم يقول : إن هذا الإحصاء شديد )( ) .
4- عباد بن بشر – رضي الله عنه – :
نزل النبي  بشِعْب في غزوة ذات الرقاع فقال : " مَنْ يحرسنا الليلة ؟ " فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فباتا بفم الشِعب فاقتسما الليل للحراسة، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو، فرأى الأنصاري، فرماه بسهم، فأصابه، فنزعه، واستمر في صلاته، ثم رماه بثانٍ، فصنع كذلك، ثم رماه بثالث، فانتزعه ، وركع وسجد وقضى صلاته ، ثم أيقظ رفيقه . فلما رأى ما به من الدماء قال له: لِمَ لا أنبهتني أول ما رمى ؟ قال : كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها . وأخرجه البيهقي في ( الدلائل ) من وجه آخر ، وسمى الأنصاري المذكور : عباد بن بشر ، والمهاجري: عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - والسورة : سورة الكهف . ( )
5- الحسن البصري – رحمه الله - :
قرأ الحسن هذه الآية {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (90) سورة النحل.
فقال: (إن الله جمع لكم الخير كله، والشر كله، في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله -عز وجل- إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً)( ).

6- الربيع بن خثيم – رحمه الله - :
عن عبدالرحمن بن عجلان قال : ( بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة ، فقام يصلي ، فمرَّ بهذه الآية: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (21) سورة الجاثية. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد ) ( ) .
7- مطرف بن عبدالله - رحمه الله - :
قال مطرف بن عبدالله: (إني لأستلقي من الليل على فراشي، فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة. {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (17) سورة الذاريات. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (64) سورة النمل، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (9) سورة الزمر، فلا أراني فيهم . فأعرض نفسي على هذه الآية {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} (42) سورة المدثر . فأرى القوم مكذبين. وأمُرُّ بهذه الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (102) سورة التوبة، فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم )( ) .

من قصص تدبر القرآن الكريم :
تدبر أعرابي :
ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله - :
( أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ من سورة المائدة حتى وصل إلى قوله تعالى : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فقال الأعرابي : ما هذا بكلام الله !
فقال القارئ : أتكذب بكلام الله ؟! .
قال الأعرابي : لا .
فرجع القارئ إلى حفظه، واسترجع، وقرأ : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (38) سورة المائدة فقال الأعرابي: عَزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع )( ) .
تدبر جارية :
ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره : ( حكى الأصمعي ( ) قال :
( سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول :
أستغفر الله لذنبي كله
قَبَّلتُ إنساناً بغير حِلِّه

مثل الغزال ناعماً في دَلِّه
فانتصف الليل ولم أصلِّه

فقلت: قاتلك الله ! ما أفصحك ! .
فقالت: أو يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (7) سورة القصص، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين ، وخبرين، وبشارتين) ( ).
قلنا : الأمران هما :{أَرْضِعِيهِ}، {فَأَلْقِيهِ} .
والنهيان هما : {وَلَا تَخَافِي}، {وَلَا تَحْزَنِي }.
والخبران هما : {وَأَوْحَيْنَا }، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ِ}.
والبشارتان هما: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}، {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.

وبهذا ينتهي ما أردت ذكره في موضوع تدبر القرآن ، أسأل الله أن ينفعنا به وأن يوفقنا لتدبر كتابه والعمل به .
























الفهرس
مقدمة
الفصل الأول : تدبر القرآن
أولاً : معنى التدبر
ثانياً : حكم التدبر
ثالثاً : فوائد تدبر القرآن وثمراته
الفصل الثاني : تدبر القرآن (لماذا وكيف)
أولاً : لماذا لا نتدبر القرآن الكريم؟
1- الذنوب والمعاصي
2- ترك الدعاء
3- الجهل باللغة العربية
4- عدم التخلي عن موانع الفهم
5- هجر كتب التفسير
ثانياً : كيف تتدبر القرآن الكريم ؟
- الطريق العلمي
- الطريق العملي
الفصل الثالث : المقامات العليا في التدبر
أولاً : التدبر في القرآن الكريم
- تدبر القرآن من صفات المؤمنين .
- عتاب من الله للمؤمنين.
- عظمة القرآن الكريم .
ثانياً : تدبر الرسول 
- حديث ابن مسعود رضي الله عنه :" اقرأ علي القرآن...."
- حديث عائشة وبكاء الرسول صلى الله عليه وسلم
- حديث :" شيبتني هود وأخواتها"
ثالثاً : تدبر القرآن في سير السلف الصالح
1- أبوبكر الصديق 
2- عمر بن الخطاب 
3- عبدالله بن عمر بن الخطاب 
4- عباد بن بشر 
5- الحسن البصري – رحمه الله -
6- الربيع بن خثيم – رحمه الله -
7- مطرف بن عبدالله – رحمه الله -
* من قصص تدبر القرآن الكريم
- تدبر أعرابي
- تدبر جارية
المصدرhttp://saaid.net/book/14/6261.doc
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أفلا يتدبرون القرآن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديــــــــــــــــــات العدالــــــــــــــــــــــــــة و القانـــــــــــــــــــــــــــون :: صوتيات و مرئيات :: القرآن الكريم-
انتقل الى: